السيد علي الطباطبائي
394
رياض المسائل ( ط . ق )
وهو كما ترى عام لما إذا كان الحكم باطلا أو حقا فلا وجه لتخصيصها بالأول نعم في النهاية الأثيرية الراشي الذي يعينه على الباطل والفرق بينها وبين أخذ الجعل على القضاء من المتحاكمين أو أحدهما لو قيل بجوازه أخفى وبيانه أن الغرض من الرشوة أن يحكم لباذلها على التعيين لحق أو باطل وفي الجعل إن شرط عليهما أو على المحكوم عليه فالفرق واضح لأنه حينئذ في مقابلة عمله معهما وفصل الحكومة بينهما من غير اعتبار الحكم لأحدهما بخصوصه وإن شرطه على المحكوم له فالفرق أن الحكم لا يتعلق الغرض فيه بأحدهما بخصوصه بل من اتفق له الحكم منهما على الوجه المعتبر يكون عليه الجعل وهذا ليس فيه تهمة ولا ظهور غرض بخلاف الرشوة المبذولة له ابتداء من شخص معين ليكون الحكم له بخصوصه كيف كان فإن هذا ظاهر في فساد المقصد وصريح في تطرق التهمة ويجب على المرتشي إعادتها عينا مع وجودها وعوضا مثلا أو قيمة مع تلفها مطلقا كان التلف بتفريطه أم لا وجوبا فوريا بلا خلاف في شيء من ذلك بيننا بل يظهر من المسالك وغيره أن عليه إجماعنا وفيه خلاف لبعض العامة حيث ذهب إلى أنه يملكها وإن فعل حراما لوجود التمليك والقبول وآخرون منهم ذهبوا إلى أنه يضعها في بيت المال وهما ضعيفان جدا ولا سيما الثاني منهما [ النظر الثالث في كيفية الحكم ] النظر الثالث في بيان كيفية الحكم وفيه مقاصد ثلاثة [ المقصد الأول في وظائف الحكم وآدابه ] الأول في وظائف الحكم وآدابه وهي أربع الأولى [ الأولى التسوية بين الخصوم ] يجب على القاضي التسوية بين الخصوم في السلام عليهما ورده إذا سلما عليه والكلام معهما والمكان لهما فيجلسهما بين يديه معا والنظر إليهما والإنصات والاستماع لكلامهما والعدل في الحكم بينهما وغير ذلك من أنواع الإكرام كالإذن في الدخول وطلاقة الوجه للنصوص المستفيضة منها القريب من الصحيح بالحسن بن محبوب المجمع على تصحيح رواياته فيجبر به جهالة راويه وهو طويل ومن جملته قول علي ع لشريح ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك حتى لا يطمع قريبك في حيفك ولا ييأس عدوك من عدلك ومنها القوي بالسكوني وصاحبه من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة والنظر والمجلس وفي مثله أن النبي ص نهى أن يضاف خصم إلا ومعه خصمه وفي القريب منهما ثلاث إن حفظتهن وعملت بهن كفتك ما سواهن وإن تركتهن لم ينفعك شيء إقامة الحدود على القريب والبعيد والحكم بكتاب اللَّه تعالى في الرضا والسخط والقسم بالعدل بين الأحمر والأسود وهذه النصوص مع اعتبار أسانيدها جملة وحجية بعضها ظاهرة الدلالة على الوجوب كما هو الأظهر الأشهر بين متأخري الطائفة وفاقا للصدوقين بل حكى عليه الشهرة المطلقة في المسالك والروضة فهي أيضا لقصور النصوص أو ضعفها لو كان جابرة خلافا للديلمي والحلي والفاضل في المختلف فحكموا بالاستحباب فيما عدا العدل في الحكم للأصل وضعف النصوص سندا ودلالة وفي الجميع نظر يظهر وجهه بالتدبر فيما مر ثم إن الحكم بوجوب التسوية أو استحب بها مشروط بما إذا تساوى الخصوم في الكفر والإسلام ولو كان أحد الخصمين مسلما والآخر كافرا جاز أن يكون الكافر قائما والمسلم قاعدا أو أعلى منزلا قولا واحدا كما جلس علي ع بجنب شريح في خصومة له مع يهودي وهل تجب التسوية بينهما فيما عدا ذلك ظاهر العبارة وما ضاهاها من عبائر الجماعة ذلك ويحتمل قويا تعديه إلى غيره من وجوه الإكرام وفاقا للشهيد الثاني للأصل واختصاص النصوص الموجبة للتسوية بحكم التبادر وغيره بغير مفروض المسألة وهو تساوي الخصوم في الإسلام أو الكفر أيضا على بعد فيه خاصة مع أن شرف الإسلام يقتضي ذلك ولا يجب التسوية بينهم مطلقا في الميل القلبي بلا خلاف فيه ولا في استحبابها بقدر الإمكان [ الثانية في عدم جواز تلقين القاضي أحد الخصمين ] الثانية لا يجوز للحاكم أن يلقن أحد الخصمين ويعلمه شيئا يستظهر به على خصمه كأن يدعي بطريق الاحتمال فيلقنه الدعوى بالجزم حتى تسمع دعواه أو ادعى عليه قرض وأراد الجواب بالوفاء فيعلمه الإنكار لئلا يلزمه البينة بالاعتراف أو نحو ذلك بلا خلاف فيه على الظاهر قالوا لأنه منصوب لقطع المنازعة لا لفتح بابها فتجويزه ينافي الحكمة الباعثة لنصبه قيل نعم لا بأس بالاستفسار والتحقيق وإن ادعى بالأخرة إلى تلقين صحة الدعوى وزاد بعض متأخري المتأخرين فقال بل لا يبعد جواز الأول أيضا إذا كان المدعي جاهلا لا يعرف التحرير والقاضي علم بالحال وما ذكروه لا يصلح دليلا للتحريم مطلقا إذ فتح باب المنازعة الخفيفة التي تصير سببا لعدم إبطال حقوق الناس ما نعرف فساده إلا أن يكون لهم دليل آخر من إجماع وغيره انتهى وهو حسن إلا أن فرض علم القاضي بحقيقة الحال لا يتصور معه فتح باب المنازعة بناء على ما مر من جواز القضاء بالعلم بل لا يحتاج حينئذ إلى تلقين المدعي بل يحكم ابتداء على الخصم بعلمه فتأمل [ الثالثة في استحباب أن يقول القاضي للخصمان الساكتان تكلما ] الثالثة إذا سكتا أي الخصمان استحب للحاكم أن يقول لهما تكلما أو ليتكلم المدعى منكما وإن كنتما حضرتما لشيء فاذكراه أو ما ناسبه من الألفاظ الدالة عليه ولو احتشماه أمر من يقول لهما ذلك ولا يواجه بالخطاب أحدهما بلا خلاف في شيء من ذلك على الظاهر حتى في النهي عن مواجهة أحدهما بالخطاب ولكن قد اختلفوا في الأخذ بظاهره كما هو مقتضى وجوب التسوية أو الكراهة والوجه الأول لما عرفته [ الرابعة في استماع القاضي قول من بدر بالتكلم ] الرابعة إذا بدر أحد الخصمين وسبق إلى الدعوى سمع منه وجوبا هي دون غيرها فهو أولى ولو قطع عليه غريمه كلامه في أثناء الدعوى فقال كنت أنا المدعي لم يلتفت إليه الحاكم بل منعه حتى ينتهي دعواه وحكومته بمطالبة جوابها منه ثم الحكم بمقتضاه ولو ابتدرا وسبقا إلى الدعوى معا سمع من الذي وقف عن يمين صاحبه في المجلس للخبر الذي أجمع أصحابنا على روايته كما في الانتصار والخلاف والمبسوط والسرائر حيث قالوا رواه أصحابنا وزاد الأولان دعوى إجماعنا عليه فتوى أيضا وفيه قضى رسول اللَّه ص أن يقدم صاحب اليمين في المجلس بالكلام وعليه عامة متأخري أصحابنا بل ومتقدميهم أيضا عدا الشيخ فمال إلى القرعة كما تقوله العامة مع أنه ادعى على الأول إجماع الطائفة فهو ضعيف غايته كتأمل الإسكافي في دلالة الرواية بجواز أن يكون أراد بذلك المدعي لأنه صاحب اليمين واليمين المردودة إليه وزاد بعض متأخري المتأخرين جواز أن يكون المراد باليمين يمين القاضي لمخالفة الاحتمالين للظاهر سيما بعد الاتفاق على الظاهر المستظهر من تلك الكتب المتقدمة المصرح به في المسالك على كون المراد منها ما ذكر والتأيد بالصحيح إذا تقدمت إلى وال أو قاض فكن يمينه يعني يمين الخصم وإن اجتمع خصوم